جمال الدين بن نباتة المصري
212
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
استدركها عليه ، وكان يقول : إنّا لنحبّ أفلاطون ونحبّ الحقّ ، فإذا افترقا فالحقّ أولى بالمحبّة . ثم وضع علم المنطق ورتّب أصوله ، وقال : إنما فضّل النّاس على البهائم بالمنطق ، فأحقّهم بالإنسانيّة أبلغهم منطقا ، وأوصلهم إلى عبارات من ذات نفسه بالإيجاز . وله في ذلك مسائل ومصنّفات معروفة ، وكذلك في جميع علومه الحكميّة والفلسفيّة ، وكان قد تسلّم الإسكندر بن فيلبّس من أبيه ، فعلّمه وهذّبه ، وولى الإسكندر المملكة ، فكان لا يبرم أمرا ولا ينقضه « 1 » إلا بإشارته . وكان بمنزلة الوزير والمشير إلى أن توفّى الإسكندر ، وعاش بعده قليلا ومات ، فوضعت جثّته في إناء من نحاس - وقيل في خشبة كالتابوت - وعلّقت في جزيرة صقلّية ، وكان أهل البلد يجتمعون إليها عند المشاورة والمدارسة في فنون الحكمة ، ويقولون : إنّ مجيئهم إلى ذلك الموضع يذكى عقولهم ، ويصحّح فكرهم ، وربّما استسقوا به في الجدب . ومن كلامه ممّا كتب به للإسكندر وهو في غاية البلاغة : أيّها الملك ، لا تنخدع للهوى ، وإن خيّل إليك أن في انخداعك له خداعه ، فقد يسترسل الإنسان وهو يظنّ أنه متحفّظ . واجمع في سياستك بين بدار لا حدّة فيه ، وريث لا غفلة معه ، وامزج كلّ شكل بشكله حتى تزداد قوّة . وكن عبدا للحقّ فعبد الحقّ حرّ . وليكن وكدك « 2 » الإحسان إلى الخلق ، ومن الإحسان وضع الإساءة في موضعها . وكن نصيح نفسك ، فليس لك أرأف بك منك . وإذا أشكل عليك أمر فاضرع إلى اللّه تعالى يبلّغك هذه الغاية ، فإنّه يفتح لك المرتج ، وإذا فاتك شيء فاعلم أن ذلك لسهو عرض لك في الشّكر على ما أفادك . ومهما أخطأك شيء
--> ( 1 ) ط : « وينقضه » . ( 2 ) ت : « فكرك » .